القطامين يكتب: لن نخسر حصاننا الرابح

الأربعاء-2019-07-10 | 02:45 pm

د. نضال القطامين

القبة نيوز-لا أحد يرغب في أن يكون الجدل حيال قرارات دولتي قطر والكويت الشقيقتين بتوجيه طلبتهما نحو جامعات أردنية بعينها، رصاصة رحمة نطلقها في نحر التعليم العالي برمّته.


نعترف بالخلل الذي يعتري تطبيق المعايير والأسس في بعض مؤسسات التعليم العالي ونفترض تصويبه على الفور، ولكننا نرفع القبعات لتاريخ التعليم العالي الأردني الذي اتصف بالجودة والسَدَاد والصَوَاب والعُمْران والأَصَالَة، يوم كانت الدنيا كلّها تبحث عن خريج الأردن الموهّل والمعد إعدادا أصيلا.

يأتي بعض الجدل الدائر عبر مختلف المنصّات، على ذكر أسبابٍ ومبررات للقرارات، دون اتضاح هذه الأسباب رسميا، ويشير هذا الجدل إلى ربط جودة التعليم ومعاييره بطرق لم يألفها الناس منها ما تعلّق بدراسة (الويكند) أو بالتحصّل على درجات علمية في فترات زمنية غير تقليدية (4 سنوات في قاعات الدرس والمكتبة والحرم الجامعي للبكالوريوس)، وغيرها من الأسباب.

بشكلٍ مقلق، تبتعد هذه التأويلات وتتمرد على تقاليد باتت راسخة في ما يسميه المختصون بالتعليم عن بعد بمختلف صوره والممكن وصفه بصوره شموليه/ Distance Learning؛ أحد أهم طرق التعليم الحديثة الذي يعتمد في مفهومه على انتفاء شرط المكان للمتعلم، وتمارسه مؤسسات تعليم عال عالمية عريقة مشهود لخريجها بالكفاءة والإقتدار ضمن ضوابط جودة متينة.

في لندن، حيث أتابع أموراً ذات شأن في التعليم العالي بكافه اشكاله، أقرأ الجدل الدائر، وفي الوقت ذاته، أعرّج على أعرق الجامعات وأرى تجربتها المدهشة في مواظبة التقدم العلمي في التعليم العالي ومسايرته، ولقد أضحت طرق التدريس المتنوعة مثل Part time/ Full time/ On line / Split Site/ Blended Learning منهجا أساسيا في أساليب التدريس، وخرجت مؤسسات تعليم عالي ذات طود شامخ، من عباءة التقليدي إلى الإنصهار تماما مع تقدم وسائل التعلم وأساليبه.

هنا في المملكة، أذكّر بأن وزارة التعليم العالي تعترف بجزء من هذا النوع من التعليم بعد أن أفردت له تفصيلات وشروط ويجد المهتمون على موقع الوزارة الإلكتروني، تعليمات تنظيمية مفصّلة، لكنه سيجد كبريات الجامعات في العالم تعتمد هذا النوع من التعليم وتتبعه نهجا أساسيا في منح الدرجات العلمية.

بالطبع لا يمكن أخذ التكهّن بمبررات القرارات وأسبابها، تلك التي تعج بها التصريحات على مواقع التواصل وفي وسائل الإعلام، على محمل الجد ما لم تكن رسمية موثّقة، لكن يمكنني القول، أن إلحاق برامج التعليم عن بعد، وفق معاييرها الدولية، كأحد الأسباب التي أدت لهذه القرارات، إنما هو قصورٌ واضح في اتباع وسائل تطوّر التعليم العالي.

ربما رأى أصحاب القرارات ان تطبيق هذا النوع من التعليم، على غير الوجه المراد، وربما يُلْحَقُ به أوجه قصور أخرى، لكنه لن يكن أبدا سببا في نفور الطلبة ولا مسؤولي التعليم العالي، إذا ما طُبّق وفق الأسس والشروط والضوابط الدارجه في العالم المتقدم.

يرتهن مستقبل التعليم العالي، هنا وفي الدول العربية وفي العالم، باطراد البحث العلمي ومنحه أولوية قصوى، ثم بالإرتباط بتسارع وسائل الإتصال التعليمية، والتوافق في أساليب التدريس مع متطلبات الثورة الصناعية الرابعة التي تهتم بمزج التقنيات كلها وتسييرها في طريق توجيه الناس نحو صفحات الكترونية مهمتها تحسين كفاءة الأفراد والمؤسسات على حد سواء، فإذا تحقق ذلك، كان الهدف التالي المهم، هو الخروج إلى العالم عبر ترويج ممنهج، يعرض التجربة الأردنية في جودة التعليم العالي، مثلما يفعل العالم كله.

لن أدعو للإنطلاق نحو تنفيذ هذه الأساليب بشكل طائشٌ، مُتسرِّعٌ لا تَبَصُّر فيه ولا رَويَّة، ذاك أن تنفيذه محكومٌ بمعايير عالمية تقتضي التميّز وضبط الجودة وإبراز المزايا وتطوير ادوات حقيقية فاعلة في تسويق البرامج لتصل للمتعلّم وليس العكس، فضلاً عن ربطها ببرامج جاذبة مشتركة مع جامعات عالمية مرموقة، وأن تربط المواد التدريسية الأكاديمية في الجامعات في بعض التخصصات ببرامج تدريبية في مؤسسات أكاديمية ضمن موادها التدريسية، في سياق تهيئة وإعداد الخريجين لسوق العمل.

لن نقبل النكوص عمّا أرسته الدولة من تقدم في اتباع هذه الوسائل، لأنها ببساطة مفتاح العولمة وباب اللحاق بركب العالم المتحضّر، ومن نافلة القول أن قرارات الأشقاء لا تستحق هذا الجدل، وبالطبع نحترمها ولا نسقطها على تداعيات سياسية أو غيرها، لكن المطلوب، هو إجراء مراجعة شاملة لمؤسسات التعليم العالي الأردنية وفق منظومة الجودة الوطنية والعالميه، ورقابة شاملة على برامج التعليم فيها، بغية إعادة حضورها العربي والإقليمي الطاغي.