ثقافة الرداءة!

الإثنين-2019-12-02 | 03:17 pm

سليمان الطعاني

القبة نيوز-من الواضح أننا أصبحنا ننتمي إلى مجتمع موغلٍ في التفاهة والرداءة، تسود فيه السخافة والتفاهة والسطحية كافة مناحي حياتنا ومن الواضح أننا سائرون من غير رجعة، نحو حافة الإفلاس الإنساني والأخلاقي النبيل، فلا شيء يبعث على الاطمئنان في سباق تصير فيه الشهرة والنجومية من نصيب الناس الأكثر تفاهة ورداءة ورعونة والأكثر فضائحية، فالكل يبحث عن الظهور وتسجيل الحضور، حتى لو كانت الطريق إلى الهدف المنشود مفتوحة على الفضيحة والخسارة واللامعنى واللاأخلاق! وخاصة في هذا الزمن، زمن وسائل التواصل الاجتماعي، زمن التحول إلى الموبايل والفكر اليومي والبرقي والمسجات الباهتة ووهم المجتمع الافتراضي بديلاً عن الواقعي، والدردشة الفارغة بدل الفكر والكتاب وثقافة النهضة،


يقول الروائي الإسباني كارلوس "لن يفنى العالم بسبب قنبلة نووية كما تقول الصحف، بل بسبب الابتذال والإفراط في التفاهة والرداءة التي ستحوّل العالم إلى طرفة سخيف، ويبين أن دلالات التفاهة تتأكد في صعود اللامعنى وزوال الحدود بين المفاهيم والقيم والمعاني، وتفكيك وتحطيم المرجعيات، وتعاظم التهافت والابتذال، وانعدام مساحات العقلانية والحوار والابتكار واعتلاء منصات الحوار والثقافة والسياسة نخب طارئة من أشباه وأنصاف المثقفين لتصبح لدينا حالة عامّة وطامّة من التكلس والعماء والنكوص وكل انواع البلاء المخبأة في ثنايا هذا الواقع المتشقق السائر نحو ظلامية وانغلاقية محققة.

ويقول علم الاجتماع: ترتقي التفاهة وتتفشى بإفقار المجتمعات وتفريغها من ثقافاتها ووعيها الايجابي اليقظ، وتحويلها إلى مجتمعات رملية متباعدة وشراذم شاردة وجعلها كالعهن المنفوش أو كالعصف المأكول حيث يكون الناس فيها سكارى وما هم بسكارى، وحيارى في كل واد يهيمون، وتتقدم في هذه الأثناء ثقافة الفهلوة والشطارة والضحالة الثقافية ويرتد الناس الى عصبياتهم بعد أن يتحطم كل ما هو أعلى في سلم القيم والتقاليد الكبرى وكل العناصر المؤسسة والجامعة والجاذبة المكونة للمجتمعات السليمة، وتغيب القيم النبيلة وكل ما ينهض بالمجتمعات من إرادة ومشاركة ومروءة ورغبة في التغيير ولا يبقى في المجال إلا الفراغ والزبد الذي يذهب جفاءً والتجاذبات الانحطاطية التي لا تغني ولا تسمن من جوع، وتبين التجارب أن تلك من المراحل الخطرة في النكوص إلى الوراء أو هي المقدمات والطريق المباشر الى الانقراض .. الانقراض بالمعنى الحضاري والتاريخي وتحول الأفراد إلى مستحاثات وأجساد تدب في الأرض بلا عقل. فلكي تصبح نجماً في زمن الرداءة، أمرٌ لا يستوجب منك ان تمتلك الكثير من القيم الاجتماعية النبيلة، وليس مطلوباً منك أن تحوز على شهادات عليا من أعرق الجامعات.

المطلوب منك أن تتقن فن اللعبة التي تجعل المبنيّ للمجهول معلوماً ومخطوباً وده من قبل المساكين والمقهورين، وفي زمن قياسي يكفي فقط أن تعرف دقائق اللعبة، وأن تتوفر لديك إرادة فولاذية للاستمرار في درب بناء الشهرة على ضفاف أودية الكذب والنفاق والخداع!

وبعد، إن كل ما يدور الآن من حولنا للأسف وفي مجتمعاتنا بشكل عام يؤكد هذه الظاهرة الموجعة وتجلياتها المختلفة التي أصبحت تتبدى بأشكال وأساليب ضاغطة وقاهرة، وتكاد تختفي معها ثقافة النهوض والتغيير إلا لدى من رحم ربي من تلك القلة المثابرة التي لا تزال على مبادئها بطريقة تراجيدية حيث القلة تواجه الكثرة ويصبح صوتها بأعراف الانحطاطيين وعلى أرض الواقع صراخاً في البرية.